الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

277

انوار الأصول

وأمّا التقرّب بقصد المحبوبيّة : فلا إشكال في جوازه حيث إنّ قصد المحبوبيّة أيضاً يمكن أن يصير احترازاً عن سائر الدواعي وبياناً للقسم الذي يكون عبادة . وأمّا التقرّب بقصد المصلحة : فإن كان المقصود من المصلحة ما يترتّب على العبادة من الخضوع والتكامل المعنوي ( وهو ما نسمّيه بالمصلحة الأخلاقيّة ) فهو يرجع إلى القسم السابق ، أي قصد المحبوبيّة ، وإن كان المراد منها المصالح الماديّة كالصحّة في الصّيام ( كما ورد في الحديث : « صوموا تصحّوا » ) وكإصلاح أمر المعاش والأمور الاقتصاديّة للمسلمين في الحجّ ( فإنّ من أبعاد الحجّ بعده الاقتصادي كما أشير إليه في الحديث أيضاً ) فلا إشكال في عدم إمكان التقرّب بقصدها كما لا يخفى ، فإنّ هذه الأمور ليست اموراً قربيّة إلّا إذا لوحظ كونها مقدّمة للعبادة والإطاعة بمعنى أنّه يريد صحّة جسمه مثلًا ليقوى على طاعة اللَّه . وأمّا التقرّب بقصد كون العمل للَّه : لأنّ اللَّه أهل للعبادة فلا يصحّ أيضاً ، لأنّ التقرّب بعمل خاصّ متفرّع على عباديته في الرتبة السابقة إمّا ذاتاً أو بالجعل والاعتبار ، فإن كان عبادة ذاتاً فهو وإلّا فلا بدّ لصيرورته عبادة من أن يقصد محبوبيته عند اللَّه أو كونه مأموراً به حتّى يمتاز عن أشباهه ونظائره ، وأمّا مجرّد إتيانه لأنّ اللَّه تعالى أهل للعبادة لا يوجب عباديته كما لا يخفى . فظهر أنّ الصحيح من الأنحاء الأربعة في العبادات المجعولة الاعتباريّة من جانب الشارع إنّما هو القسم الأوّل والثاني فقط ، وأمّا في العبادات الذاتيّة فلا حاجة إلى شيء من ذلك ، نعم إذا أتى بالسجدة بقصد كونها للَّه تكون عبادة للَّه ، وإن أريد بها الصنم تكون عبادة للصنم ، فهي عبادة على كلّ حال ذاتاً من دون حاجة إلى جعل واعتبار . الأمر الثالث : في إمكان أخذ قصد الأمر في المأمور به فقد وقع الخلاف في أنّه هل يجوز أخذ قصد الأمر في متعلّقه شرعاً أو لا ؟ ذهب جماعة من الأعلام إلى عدم الإمكان وإنّ قصد الأمر ممّا يعتبر في العبادات عقلًا لا شرعاً ولهم بيانات مختلفة في إثباته : منها : ما أفاده المحقّق الخراساني ؛ من لزوم الدور ، وبيانه : إنّ قصد الأمر متأخّر عن الأمر ، والأمر متأخّر عن متعلّقه فلو اعتبر قصد الأمر المتأخّر عن الأمر في المتعلّق السابق على الأمر لزم تقدّم الشيء على نفسه برتبتين وهو محال .